‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، فبراير 17، 2009

خلف جدران الصمت


كان يومه طويلا؛ بدأه فى الصباح الباكر، ست ساعات قضاها فى حجرة العمليات ثم تبعها المرور على مرضاه فى القسم الداخلى.
بعدما انتهى مر على المكتبه لاستعارة احد الكتب التى يحتاجها للتحضير للمحاضرة التى سيلقيها فى الاجتماع الاسبوعى للقسم. غادر المستشفى الى المنزل فى الثالثه بعد الظهر ثم ها هو الآن فى ذلك المركز الطبى من بعد صلاة المغرب.
المركز يدر عليه دخلا لا بأس به فلو انه اكتفى بمرتبه ما استطاع أن يعيش عيشه كريمة. لقبه يوحى لمن يسمعه بمرتب كبير " مدرس مساعد طب وجراحة العيون" ولكن الله بالسر عليم. مرتب شحيح لا يوفر له ثمن مرجع واحد مما يحتاجه لدراسة الدكتوراه التى بدأها منذ فترة وجيزة والتى يعمل الآن على استكمالها بفرنسا من خلال محاولة نيل بعثة دراسية.
طرقت الممرضة الباب لتخبره أن المريضه القادمه هى الأخيرة فبدت عليه ابتسامة ارتياح.
أخذ الاستمارة الخاصة بالمريضة والتى تضم بعض البيانات الأوليه عنها. بعد لحظات سمع طرقا ت خفيفة على الباب ودخلتا اليه. سيدة فى اواخر الأربعينيات وقورة بشوشه معها فتاة لم يستطع ان يحول عينيه عنها حين رآها. كان وجهها من تلك الوجوه التى لا تملك الا أن تديم النظر اليها. جمال هادىء لم تغتال براءته المساحيق؛ عيون لم تستطع الحمرة التى غطت بياضها ان تخفى جمالها؛ كانت ترتدى حجابا متناسق الالوان انيقا بدون تقاليع ..ربما لم يرى مثلها منذ فترة طويلة.


بادرته السيدة بالسلام فرد عليها تحيتها أما الفتاة فلم تتكلم.
- خير ان شاء الله..جملته الاعتيادية التى يحث من خلالها مريضه ان يحكى شكواه
قالها وهو ينظر للفتاه فالبيانات تقول انها المريضة
تضرج وجه الفتاه بالحمرة وأطرقت الى الأرض
..ياالله منذ زمن لم أرى حمرة الخجل ..كثيرات يدعين الحياء ولكن لا يملكن تلك الحمرة ..ذلك الشىء المستحيل ادعائه
- ايمان مش سمعاك يا دكتور لكن فاهمه انت بتقول ايه هى بتقرى لغة الشفايف لكن متقدرش ترد عليك
-
أنا آسف
هكذا اذن ..هذا هو سرها ..هذه السكينة التى تلفها أضافت اليها سرا كسر الموناليزا ..
-
هى بقالها كام يوم عنيها حمر والنهاردة جفونها وارمه وسعات بتبقى عايزة تحك عنيها والموضوع بيزيد وانا خايفة عليها
-
لا بسيطة ان شاء الله..
وسأل بعض الأسئلة التى يسألها لكل مريض لتساعده فى تقييم الحالة وكانت الأم تجيبه بينما تتابع ايمان بعينيها الحديث
طلب منها أن تتبعه الى ركن فى الحجرة ليقوم بالكشف عليها وبعد انتهائه تأكد له التشخيص

وأخبر الأم انه لا داعى للقلق فالحالة بسيطة رمد ربيعى وبالأدوية ستعود عينيها لحالتها الطبيعيه

" يا سلام ما شاء الله باين عليه ابن حلال ..شاب زى الفل ..ونظرات الاعجاب واضحه فى عنيه زى كل اللى شافها ... هو انا من حقى أحلم ان ربنا يرزقها بزوج زيه ؟؟؟ هو أنا مش زى أى أم نفسها تفرح ببنتها؟؟ والله لو الناس تعرفها هتتمناها زوجة ..هيلاقوا فين قلب زى قلبها ..يعنى هى لازم تكون بتتكلم ؟؟ ما ياما ناس كتير بتتكلم وفى الاخر بعد ما تسمعهم تقول يا ريتهم يسكتوا..ايوه من حقى أحلم وليه لا ؟ ربنا قادر على كل شىء ..هو اللى بيألف بين القلوب "

-
طب يا دكتور قلها متقعدش قدام الكمبيوتر كتير وعنيها تعبانه
التفت الى ايمان يسألها
-
انتى بتدرسى كمبيوتر؟؟
هزت رأسها بالنفى
- لا يا دكتور هى خلصت دراسة بس هى بتحب الكتابة وبتكتب فى مجلة
الكترونية وعندها مدونة
نظرت اليها ايمان نظرة عتاب فهى تعتبر المدونة عالمها الخاص الذى لا يعرف عنه الا القليلون
-
حقيقى ...وبتكتبى ايه؟؟
- بتكتب يوميات وشعر وقصص ومقالات ..كل حاجة ايمان موهوبة ..هكتبلك اللينك يا دكتور وشوف بنفسك


" ليه بس كده يا ماما .. لو تعرفى قد ايه أنا بتعذب وأنا بشوف نظرة الأمل دى فى عنيكى ..أنا فاهمه اللى انت عايزاه .. نفسك أتجوز انسان عادى زى أى بنت مش لازم يكون فى نفس حالتى ..متعرفيش ان اللى بتعمليه ده بيجرحنى ... أنا نسيت الموضوع وراضية بحياتى ..ليه كل شوية تفكرينى .. أكيد انتى فاكره انى مش فاهمه .. نظرات الاعجاب بالدكتور واضحة فى عنيكى.. صحيح شكله انسان كويس لكن الله أعلم بيه ... وحتى لو حصل وعجبته زى ما بيحصل كل يوم مع ناس كتير .. تفتكرى هيكون شعوره ايه حتى بعد ما يعرفنى.. شفقه ..يمكن دلوقتى بيقول مسكينة .. صحيح الحلو ميكملش ..زى ما ناس كتير قالتها بصراحة قبل كده ...طب أعمل ايه ؟؟.. أفهمك ازاى ..يارب انت اللى عالم بحالى "

تناولت الأم من امامه ورقة وقلم وكتبت عنوان المدونة وايمان لا تستطيع النظر اليه بينما بدت على وجهه ابتسامة ارتياح ...
كتب لها الوصفة الطبية وشرح لها كيفية التعامل مع القطرات المختلفه ثم أخبرها انها يجب أن تعود فى الاسبوع القادم لاعادة الكشف وانه من الأفضل بالفعل ان تقلل من الجلوس امام الكمبيوتر حتى تتماثل للشفاء .
- ان شاء الله أزور المدونة قريب .. أنا كمان بحب الكتابة بس الطب مش مخلى عندى وقت

ودعهما وجلس فى العيادة قليلا ينظر من النافذه ليتأمل السماء ويتسأل لماذا تركت لديه هذا الشعور الذى لا يستطيع تفسيره .. كيف يمكن أن يترك انسان هذا التأثير دون أن تسمع له صوتا.. بحكم عمله كان يقابل فتيات لا حصر لهن .. زميلات فى العمل ومريضات وأقارب مرضى .. كثيرات حاولن التقرب اليه .. مئات الأصوات سمعها ولم تؤثر فيه فلماذا استطاع ذلك الصمت أن يحرك مشاعره التى ظن انها غير قابله للتحرك ؟؟


انتبه على صوت الممرضة تستأذنه فى الانصراف وتبعها بعد قليل
عاد الى بيته مباشرة وهو ما زال يفكر فيها ويستعيد صورة وجهها البرىء
تناول العشاء مع أمه التى كانت ما زالت مستيقظه تنتظره ثم ذهب الى حجرته وفتح الكمبيوتر ليتفقد بريده الالكترونى ولكنه وجد نفسه قبل أن يفتح البريد يخرج الورقة التى بها رابط المدونة ليدخل إلى عالمها


يتبع ان شاء الله
--------------------------------
الصورة بعنوان
"Beneath the Unseen Silence "